فخر الدين الرازي
121
تفسير الرازي
لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً ، كما تقول : ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي والثاني : أن تجعل * ( لا ) * غير مزيدة ، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة ، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح ، فلما قالوا : أتريد أن نتخذك رباً ؟ قيل لهم : ما كان لبشر أن يجعله الله نبياً ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء ، وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام ، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ * ( ولن يأمركم ) * . المسألة الثانية : قال الزجاج : ولا يأمركم الله ، وقال ابن جريج : لا يأمركم محمد ، وقيل : لا يأمركم الأنبياء بأن تتخذوا الملائكة أرباباً كما فعلته قريش . المسألة الثالثة : إنما خص الملائكة والنبيّين بالذكر لأن الذين وصفوا من أهل الكتاب بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح وعزير ، فلهذا المعنى خصهما بالذكر . ثم قال تعالى : * ( أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) * وفيه ومسائل : المسألة الأولى : الهمزة في * ( أيأمركم ) * استفهام بمعنى الإنكار ، أي لا يفعل ذلك . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " قوله * ( بعد إذ أنتم مسلمون ) * دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يسجدوا له . المسألة الثالثة : قال الجبائي : الآية دالة على فساد قول من يقول : الكفر بالله هو الجهل به والإيمان بالله هو المعرفة به ، وذلك لأن الله تعالى حكم بكفر هؤلاء ، وهو قوله تعالى : * ( أيأمركم بالكفر ) * ثم إن هؤلاء كانوا عارفين بالله تعالى بدليل قوله * ( ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ) * وظاهر هذا يدل على معرفته بالله فلما حصل الكفر ههنا مع المعرفة بالله دل ذلك على أن الإيمان به ليس هو المعرفة والكفر به تعالى ليس هو الجهل به . والجواب : أن قولنا الكفر بالله هو الجهل به لا نعني به مجرد الجهل بكونه موجوداً بل نعني به الجهل بذاته وبصفاته السلبية وصفاته الإضافية أن لا شريك له في المعبودية ، فلما جهل هذا فقد جهل بعض صفاته . قوله تعالى * ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ